الغزالي

40

إحياء علوم الدين

ليخمل ذكره ويعيش فردا ويظهر في العبادة بالأمانى تلذذه التلاوة أين ولى وذكر بالفؤاد وباللسان وعند الموت يأتيه بشير يبشر بالنجاة من الهوان فيدرك ما أراد وما تمنى من الراحات في غرف الجنان وكان كرز بن وبرة يختم القرءان في كل يوم ثلاث مرات . ويجاهد نفسه في العبادات غاية المجاهدة ، فقيل له : قد أجهدت نفسك . فقال : كم عمر الدنيا ؟ فقيل : سبعة آلاف سنة فقال : كم مقدار يوم القيامة ؟ فقيل : خمسون ألف سنة فقال : كيف يعجز أحدكم أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم ! يعنى أنك لو عشت عمر الدنيا ، واجتهدت سبعة آلاف سنة ، وتخلصت من يوم واحد كان مقداره خمسين ألف سنة ، لكان ربحك كثيرا ، وكنت بالرغبة فيه جديرا . فكيف وعمرك قصير ، والآخرة لا غاية لها فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها . فمهما تمردت نفسك عليك ، وامتنعت من المواظبة على العبادة ، فطالع أحوال هؤلاء ، فإنه قد عز الآن وجود مثلهم . ولو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم فهو أنجع في القلب ، وأبعث على الاقتداء فليس الخبر كالمعاينة . وإذا عجزت عن هذا فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء ، فإن لم تكن إبل فمعزى ، وخيّر نفسك بين الاقتداء بهم والكون في زمرتهم وغمارهم ، وهم العقلاء والحكماء وذوو البصائر في الدين ، وبين الاقتداء بالجهلة الغافلين من أهل عصرك . ولا ترضى لها أن تنخرط في سلك الحمقى ، وتقنع بالتشبه بالأغبياء ، وتؤثر مخالفة العقلاء ، فإن حدثتك نفسك بأن هؤلاء رجال أقوياء لا يطاق الافتداء بهم ، فطالع أحوال النساء المجتهدات وقل لها يا نفس لا تستنكفى أن تكوني أقل من امرأة ، فأخسس برجل يقصر عن امرأة في أمر دينها ودنياها ولنذكر الآن نبذة من أحوال المجتهدات . فقد روي عن حبيبة العدوية أنها كانت إذا صلت العتمة قامت على سطح لها ، وشدت عليها درعها وخمارها ، ثم قالت . إلهي قد غارت النجوم ، ونامت العيون ، وغلقت الملوك أبوابها ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، وهذا مقامي بين يديك . ثم تقبل على صلاتها . فإذا طلع الفجر قالت : إلهي هذا الليل قد أدبر ،