الغزالي

39

إحياء علوم الدين

فدنوت منه فإذا هو يضطرب ، ثم أفاق وهو يقول : من أنا ؟ ما خاطري ؟ هب لي إساءتى من فضلك ، وجللني لسترك ، واعف عن ذنوبي بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك . فقلت له : بالذي ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتني فقال : عليك بكلام من ينفعك كلامه ، ودع كلام من أوبقته ذنوبه . إني لفي هذا الموضع مذ شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدنى ، فلم يجد عونا علي ليخرجنى مما أنا فيه غيرك . فإليك عنى يا مخدوع ، فقد عطلت عليّ لساني ، وميلت إلى حديثك شعبة من قلبي . وأنا أعوذ باللَّه من شرك ، ثم أرجو أن يعيذني من سخطه ، ويتفضل عليّ برحمته . قال : فقلت هذا وليّ الله أخاف أن أشغله فأعاقب في موضعي هذا . فانصرفت وتركته وقال بعض الصالحين : بينما أنا أسير في مسير لي ، إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها فإذا أنا بشيخ قد أشرف عليّ فقال لي : يا هذا قم ، فإن الموت لم يمت ، ثم هام على وجهه فاتبعته ، فسمعته وهو يقول * ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) * « 1 » اللهم بارك لي في الموت . فقلت وفيما بعد الموت . فقال : من أيقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر ، ولم يكن له في الدنيا مستقر . ثم قال : يا من لوجهه عنت الوجوه ، بيض وجهي بالنظر إليك ، واملأ قلبي من المحبة لك ، وأجرنى من ذل التوبيخ غدا عندك ، فقد آن لي الحياء منك ، وحان لي الرجوع عن الإعراض عنك . ثم قال : لولا حلمك لم يسعني أجلى ، ولولا عفوك لم ينبسط فيما عندك ملى . . . ثم مضى وتركني . وقد أنشدوا في هذا المعنى نحيل الجسم مكتئب الفؤاد تراه بقمة أو بطن وادي ينوح على معاص فاضحات يكدر ثقلها صفو الرقاد فإن هاجت مخاوفه وزادت فدعوته أغثني يا عمادى فأنت بما ألاقيه عليم كثير الصفح عن زلل العباد وقيل أيضا ألذ من التلذذ بالغوانى إذا أقبلن في حلل حسان منيب فر من أهل ومال يسيح إلى مكان من مكان

--> « 1 » آل عمران : 185