الغزالي
36
إحياء علوم الدين
ما هذا الذي تصنع بنفسك ؟ تبكي الليل عامته لا تسكت ! لعلك يا بني أصبت نفسا ، لعلك قتلت قتيلا . فيقول يا أمه ، أنا أعلم بما صنعت بنفسي وقيل لعامر بن عبد الله : كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر ؟ فقال هل هو إلا أنى صرفت طعام النهار إلى الليل ، ويوم الليل إلى النهار ، وليس في ذلك خطير أمر وكان يقول : ما رأيت مثل الجنة نام طالبها ، ولا مثل النار نام هاربها . وكان إذا جاء الليل قال : أذهب حر النار النوم ، فما ينام حتى يصبح . فإذا جاء النهار قال : أذهب حر النار النوم ، فما ينام حتى يمسي فإذا جاء الليل قال : من خاف أدلج . وعند الصباح يحمد القوم السري وقال بعضهم : صحبت عامر بن عبد القيس أربعة أشهر فما رأيته نام بليل ولا نهار ويروى عن رجل من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : صليت خلف علي رضي الله تعالى عنه الفجر ، فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة ، فمكث حتى طلعت الشمس ، ثم قلب يده وقال : والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وما أرى اليوم شيئا يشبههم ، كانوا يصبحون شعثا ، غبرا ، صفرا ، قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله ، يراوحون بين أقدامهم وجباههم . وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح . وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم ، وكأن القوم باتوا غافلين يعنى من كان حوله وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه ، وكان يقول لنفسه : قومي فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكال منك لا منى . فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه ويقول : أنت أولى بالضرب من دابتي . وكان يقول : أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا ؟ كلا والله ، لنزاحمهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا . وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام ، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له القيامة غدا ما وجد متزايدا . وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضر به البرد ، وإذا كان في الصيف اضطجع داخل البيوت ليجد الحر فلا ينام . وإنه مات وهو ساجد ، وإنه كان يقول : اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وقال القاسم بن محمد : غدوت يوما ، وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها