الغزالي
37
إحياء علوم الدين
أسلم عليها . فغدوت يوما إليها ، فإذا هي تصلي صلاة الضحى وهي تقرأ * ( فَمَنَّ الله عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ ) * « 1 » وتبكي وتدعو وتردد الآية . فقمت حتى مللت ، وهي كما هي ، فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق ، فقلت أفرغ من حاجتي ثم أرجع ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي ، تردد الآية وتبكي وتدعو وقال محمد بن إسحاق : لما ورد علينا عبد الرحمن بن الأسود حاجا اعتلت إحدى قدميه ، فقام يصلى على قدم واحدة ، حتى صلى الصبح بوضوء العشاء وقال بعضهم : ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : سيما الصالحين صفرة الألوان من السهر ، وعمش العيون من البكاء ، وذبول الشفاه من الصوم ، عليهم غبرة الخاشعين وقيل للحسن : ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها ؟ فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره . وكان عامر بن عبد القيس يقول : إلهي خلقتني ولم تؤامرني ، وتميتني ولا تعلمني ، وخلقت معي عدوّا ، وجعلته يجرى منى مجرى الدم ، وجعلته يراني ولا أراه ، ثم قلت لي استمسك ، إلهي كيف استمسك إن لم تمسكني ؟ إلهي في الدنيا الهموم والأحزان ، وفي الآخرة العقاب والحساب ، فأين الراحة والفرح ؟ وقال جعفر بن محمد : كان عتبة الغلام يقطع الليل بثلاث صيحات ، كان إذا صلى العتمة وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر ، فإذا مضى ثلث الليل صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر ، فإذا مضى الثلث الثاني صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر ، فإذا كان السحر صاح صيحة . قال جعفر بن محمد : فحدثت به بعض البصريين فقال : لا تنظر إلى صياحه ، ولكن انظر إلى ما كان فيه بين الصيحتين حتى صاح وعن القاسم بن راشد الشيباني قال : كان زمعة نازلا عندنا بالمحصب ، وكان له أهل وبنات . وكان يقوم فيصلى ليلا طويلا ، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته : أيها الركب المعرسون ، أكل هذا الليل ترقدون ! أفلا تقومون فترحلون ؟ فيتواثبون ، فيسمع من هاهنا باك ، ومن هاهنا داع ، ومن هاهنا قارئ ، ومن هاهنا متوضئ . فإذا طلع الفجر نادى
--> « 1 » الطور : 27