الغزالي

35

إحياء علوم الدين

من أين لك هذا الدقيق ؟ فلا أدرى أيش أقول له . فبكت أمي ، وبكى معها ، وبكيت معهم . قال عمر : ورأت أمي ما ببشر من شدة الجوع ، وجعل يتنفس نفسا ضعيفا ، فقالت له أمي : يا أخي ، ليت أمك لم تلدني ، فقد والله تقطعت كبدي مما أرى بك . فسمعته يقول لها : وأنا فليت أمي لم تلدني ، وإذ ولدتني لم يدرّ ثديها علي . قال عمر : وكانت أمي تبكي عليه الليل والنهار . وقال الربيع : أتيت أويسا فوجدته جالسا قد صلى الفجر ، ثم جلس فجلست ، فقلت لا أشغله عن التسبيح ، فمكث مكانه حتى صلى الظهر ، ثم قام إلى الصلاة حتى صلى العصر ، ثم جلس موضعه حتى صلى المغرب ، ثم ثبت مكانه حتى صلى العشاء ، ثم ثبت مكانه حتى صلى الصبح ، ثم جلس فغلبته عيناه فقال : اللهم إني أعوذ بك من عين نوّامة ، ومن بطن لا تشبع . فقلت حسبي هذا منه ، ثم رجعت ونظر رجل إلى أويس فقال : يا أبا عبد الله . ما لي أراك كأنك مريض ؟ فقال وما لأويس أن لا يكون مريضا ؟ يطعم المريض وأويس غير طاعم ، وينام المريض وأويس غير نائم . وقال أحمد بن حرب : يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تزين فوقه ، وأن النار تسعر تحته ، كيف ينام بينهما . وقال رجل من النساك : أتيت إبراهيم بن أدهم فوجدته قد صلى العشاء ، فقعدت أرقبه ، فلف نفسه بعباءة ، ثم رمى بنفسه ، فلم ينقلب من جنب إلى جنب الليل كله حتى طلع الفجر وأذن المؤذن ، فوثب إلى الصلاة ولم يحدث وضوأ . فحاك ذلك في صدري ، فقلت له : رحمك الله ، قد نمت الليل كله مضطجعا ، ثم لم تجدد الوضوء ؟ فقال كنت الليل كله جائلا في رياض الجنة أحيانا ، وفي أودية النار أحيانا ، فهل في ذلك نوم وقال ثابت البناني : أدركت رجالا كان أحدهم يصلى فيعجز عن أن يأتي فراشه إلا حبوا وقيل مكث أبو بكر بن عياش أربعين سنة لا يضع جنبه على فراش ، ونزل الماء في إحدى عينيه فمكث عشرين سنة لا يعلم به أهله ، وقيل كان ورد سمنون في كل يوم خمسمائة ركعة . وعن أبي بكر المطوعى قال : كان وردى في شبيبتى كل يوم وليلة أقرأ فيه : قل هو الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة ، أو أربعين ألف مرة ، شك الراوي وكان منصور بن المعتمر إذا رأيته قات : رجل أصيب بمصيبة . منكسر الطرف ، منخفض الصوت ، رطب العينين ، إن حركته جاءت عيناه بأربع . ولقد قالت له أمه