الغزالي

34

إحياء علوم الدين

وحمده على آلائه ، وشكره على نعمائه ، وتواضع لعظمته ، وذل لعزته ، واستسلم لقدرته ، وخضع لمهابته ، وفكر في حسابه وعقابه ، فنهاره صائم ، وليله قائم ، قد أسهره ذكر النار ومسألة الجبار ، فذلك هو الراهب ، وأما أنا فكلب عقور ، حبست نفسي في هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم . فقلت يا راهب : فما الذي قطع الخلق عن الله بعد أن عرفوه ؟ فقال يا أخي لم يقطع الخلق عن الله إلا حب الدنيا وزينتها ، لأنها محل المعاصي والذنوب ، والعاقل من رمى بها عن قلبه ، وتاب إلى الله تعالى من ذنبه ، وأقبل على ما يقربه من ربه وقيل لداود الطائي : لو سرحت لحيتك ؟ فقال إني إذا لفارغ وكان أويس القرني يقول : هذه ليلة الركوع ، فيحيي الليل كله في ركعة . وإذا كانت الليلة الآتية قال : هذه ليلة السجود ، فيحيي الليل كله في سجدة وقيل لما تاب عتبة الغلام : كان لا يتهنأ بالطعام والشراب ؟ فقالت له أمه : لو رفقت بنفسك ؟ قال : الرفق أطلب ، دعيني أتعب قليلا وأتنعم طويلا وحج مسروق فما نام قط إلا ساجدا . وقال سفيان الثوري : عند الصباح يحمد القوم السري ، وعند الممات يحمد القوم التقى وقال عبد الله بن داود : كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه ، أي كان لا ينام طول الليل . وكان كهمس بن الحسن يصلى كل يوم ألف ركعة ، ثم يقول لنفسه . قومي يا مأوى كل شر . فلما ضعف اقتصر على خمسمائة ، ثم كان يبكى ويقول : ذهب نصف عملي وكانت ابنة الربيع بن خثيم تقول له : يا أبت ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام ؟ فيقول : يا ابنتاه ، إن أباك يخاف البيات ولما رأت أم الربيع ما يلقى الربيع من البكاء والسهر ، نادته يا بني : لعلك قتلت قتيلا ؟ قال : نعم يا أماه ، قالت : فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك ؟ فيقول : يا أماه هي نفسي . وعن عمر ابن أخت بشر بن الحارث قال : سمعت خالى بشر بن الحارث يقول لأمى : يا أختي ، جوفي وخواصرى تضرب علي . فقالت له أمي : يا أخي ، تأذن لي حتى أصلح لك قليل حساء بكف دقيق عندي تتحساه يرم جوفك ؟ فقال لها : ويحك ، أخاف أن يقول