الغزالي

26

إحياء علوم الدين

وقيامه ، وقعوده ، وأكله ، وشربه ، ونومه ، حتى عن سكوته إنه لم سكت ، وعن سكونه لم سكن . فإذا عرف مجموع الواجب على النفس ، وصح عنده قدر أدى الواجب فيه ، كان ذلك القدر محسوبا له ، فيظهر له الباقي على نفسه ، فليثبته عليها ، وليكتبه على صحيفة قلبه كما يكتب الباقي الذي على شريكه على قلبه وفي جريدة حسابه ثم النفس غريم يمكن أن يستوفى منه الديون . أما بعضها فبالغرامة والضمان ، وبعضها بردّ عينه ، وبعضها بالعقوبة لها على ذلك . ولا يمكن شيء من ذلك إلا بعد تحقيق الحساب وتمييز الباقي من الحق الواجب عليه . فإذا حصل ذلك اشتغل بعده بالمطالبة والاستيفاء ثم ينبغي أن يحاسب النفس على جميع العمر يوما يوما ، وساعة ساعة ، في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة ، كما نقل عن توبة بن الصمة ، وكان بالرقة ، وكان محاسبا لنفسه ، فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة ، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم ، فصرخ وقال : يا ويلتي ، ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب ! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ! ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت ، فسمعوا قائلا يقول : يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى ! فهكذا ينبغي أن يحاسب نفسه على الأنفاس ، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل ساعة . ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره ، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي ، والملكان يحفظان عليه ذلك ، أحصاه الله ونسوه المرابطة الرابعة في معاقبة النفس على تقصيرها مهما حاسب نفسه فلم تسلم عن مقارفة معصية ، وارتكاب تقصير في حق الله تعالى ، فلا ينبغي أن يهملها ، فإنه إن أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي ، وأنست بها نفسه ، وعسر عليه فطامها ، وكان ذلك سبب هلاكها . بل ينبغي أن يعاقبها . فإذا أكل لقمة شبهة بشهوة نفس ينبغي أن يعاقب البطن بالجوع . وإذا نظر إلى غير محرم ينبغي أن يعاقب العين بمنع النظر . وكذلك يعاقب كل طرف من أطراف بدنه بمنعه عن شهواته . هكذا كانت عادة