الغزالي
27
إحياء علوم الدين
سالكي طريق الآخرة ، فقد روي عن منصور بن إبراهيم ، أن رجلا من العبّاد كلم امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها ، ثم ندم فوضع يده على النار حتى يبست وروي أنه كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته ، فمكث كذلك زمانا طويلا ، فأشرف ذات يوم فإذا هو بامرأة ، فافتتن بها وهمّ بها ، فأخرج رجله لينزل إليها ، فأدركه الله بسابقة فقال : ما هذا الذي أريد أن أصنع ؟ فرجعت إليه نفسه ، وعصمه الله تعالى ، فندم . فلما أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال : هيهات هيهات ، رجل خرجت تريد أن تعصى الله تعود معي في صومعتي ! لا يكون والله ذلك أبدا . فتركها معلقة في الصومعة تصيبها الأمطار ، والرياح ، والثلج ، والشمس ، حتى تقطعت فسقطت ، فشكر الله له ذلك ، وأنزل في بعض كتبه ذكره ويحكي عن الجنيد قال : سمعت ابن الكربي يقول : أصابتنى ليلة جنابة ، فاحتجت أن أغتسل ، وكانت ليلة باردة ، فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا ، فحدثتني نفسي بالتأخير حتى أصبح وأسخن الماء أو أدخل الحمام ، ولا أعنى على نفسي . فقلت وا عجباه ! أفأعامل الله في طول عمري ، فيجب له عليّ حق ، فلا أجد في المسارعة ، وأجد الوقوف والتأخر ! آليت أن لا أغتسل إلا في مرقعتى هذه ، وآليت أن لا أنزعها ، ولا اعصرها ، ولا أجففها في الشمس . ويحكى أن غزوان وأبا موسى كانا في بعض مغازيهما ، فتكشفت جارية ، فنظر إليها غزوان ، فرفع يده فلطم عينه حتى بقرت وقال : إنك للحاظة إلى ما يضرك ونظر بعضهم نظرة واحدة إلى امرأة ، فجعل على نفسه أن لا يشرب الماء البارد طول حياته ، فكان يشرب الماء الحار لينغص على نفسه العيش . ويحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرقة فقال : متى بنيت هذه ؟ ثم أقبل على نفسه فقال : تسألين عما لا يعنيك ، لأعافينك بصوم سنة ، فصامها . وقال مالك بن ضيغم : جاء رباح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر ، فقلنا إنه نائم . فقال أنوم هذه الساعة ! هذا وقت نوم ! ثم ولى منصرفا . فأتبعناه رسولا وقلنا . ألا نوقظه لك ؟ فجاء الرسول وقال . هو أشغل من أن يفهم عنى شيئا ، أدركته وهو يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول . أقلت وقت نوم هذه الساعة ؟ أفكان هذا عليك ؟ ينام الرجل متى شاء . وما يدريك أن هذا ليس وقت نوم ؟ تتكلمين بما لا تعلمين ؟ أما إن لله علي عهدا لا أنقضه أبدا لا أوسدك الأرض لنوم حولا إلا لمرض حائل ، أو شغل