الغزالي

25

إحياء علوم الدين

وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال : كنت أصحبه ، فكان عامة صلاته بالليل الدعاء وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ، ثم يقول لنفسه . يا حنيف ، ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ بيان حقيقة المحاسبة بعد العمل اعلم أن العبد كما يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها ، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة ، أو شهر ، أو يوم ، حرصا منهم على الدنيا ، وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته ، ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلا أياما قلائل . فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد ! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة ، والخذلان ، وقلة التوفيق ، نعوذ باللَّه من ذلك . ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في رأس المال ، وفي الربح والخسران ، ليتبين له الزيادة من النقصان . فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره وإن كان من خسران طالبه بضمانه وكلفه تداركه في المستقبل . فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض ، وربحه النوافل والفضائل ، وخسرانه المعاصي . وموسم هذه التجارة جملة النهار ، ومعاملة نفسه الأمارة بالسوء فيحاسبها على الفرائض أولا ، فإن أداها على وجهها شكر الله تعالى عليه ، ورغبها في مثلها ، وإن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء ، وإن أداها ناقة كلفها الجبران بالنوافل ، وإن ارتكب معصية اشتغل بعقوبتها ، وتعذيبها ، ومعاتبتها ليستوفى منها ما يتدارك به ما فرط ، كما يصنع التاجر بشريكه وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط ، فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن في شيء منها ، فينبغي أن يتقى غبينة النفس ومكرها ، فإنها خداعة ملبسة مكارة فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما تكلم به طول نهاره ، وليتكفل بنفسه من الحساب ما سيتولاه غيره في صعيد القيامة ، وهكذا عن نظره ، بل عن خواطره ، وأفكاره م 4 : خامس عشر - إحياء