الغزالي
24
إحياء علوم الدين
وفي حديث ابن سلام أنه حمل حزمة من حطب ، فقيل له يا أبا يوسف ، قد كان في بنيك وغلمانك ما يكفونك هذا . فقال : أردت أن أجرب نفسي هل تنكره وقال الحسن : المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله . وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة . ثم فسر المحاسبة فقال : إن المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول : والله إنك لتعجبنى ، وإنك من حاجتي ، ولكن هيهات ، حيل بيني وبينك . وهذا حساب قبل العمل . ثم قال : ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول : ما ذا أردت بهذا ؟ والله لا أعذر بهذا ، والله لا أعود لهذا أبدا إن شاء الله . وقال أنس بن مالك : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يوما ، وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطا ، فسمعته يقول ، وبيني وبينه جدار وهو في الحائط . عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ! بخ بخ ، والله لتتقين الله أو ليعذبنك وقال الحسن في قوله تعالى * ( ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) * « 1 » قال لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ، ما ذا أردت بكلمتي ؟ ما ذا أردت بأكلتى ؟ ما ذا أردت بشربتى ؟ والفاجر يمضى قدما لا يعاتب نفسه . وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى : رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمها ، ثم خطمها ، ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا . وهذا من معاتبة النفس كما سيأتي في موضعه وقال ميمون بن مهران : التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ، ومن شريك شحيح وقال إبراهيم التيمي : مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها ، وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها . ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها ، وأشرب من صديدها ، وأعالج سلاسلها وأغلالها . فقلت لنفسي : يا نفس ، أي شيء تريدين ، فقالت أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا . قلت : فأنت في الأمنية فاعملي وقال مالك بن دينار : سمعت الحجاج يخطب وهو يقول . رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره ، رحم الله امرأ نظر في ميزانه . فما زال يقول حتى أبكاني
--> « 1 » القيامة : 2