الغزالي

23

إحياء علوم الدين

المرابطة الثالثة محاسبة النفس بعد العمل . ولنذكر فضيلة المحاسبة ثم حقيقتها أما الفضيلة فقد قال الله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) * « 1 » وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال . ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا . وفي الخبر أنه عليه السلام جاءه رجل فقال : يا رسول الله أوصني . فقال « أمستوص أنت » فقال نعم : قال « إذا هممت بأمر فتدبّر عاقبته فإن كان رشدا فامضه وإن كان غيّا فانته عنه » وفي الخبر ، وينبغي للعاقل أن يكون له أربع ساعات ، ساعة يحاسب فيها نفسه وقال تعالى * ( وتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * « 2 » والتوبة نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّى لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرّة » وقال الله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ من الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) * « 3 » . وعن عمر رضي الله تعالى عنه ، أنه كان يضرب قدميه بالدّرة إذا جنّه الليل ويقول لنفسه . ما ذا عملت اليوم ؟ وعن ميمون بن مهران أنه قال : لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه . والشريكان يتحاسبان بعد العمل وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، أن أبا بكر رضوان الله عليه قال لها عند الموت ما أحد من الناس أحب إليّ من عمر . ثم قال لها : كيف قلت ؟ فأعادت عليه ما قال ، فقال : لا أحد أعزّ عليّ من عمر . فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة ، فتدبرها وأبدلها بكلمة غيرها . وحديث [ 2 ] أبي طلحة حين شغله الطائر في صلاته ، فتدبر ذلك ، فجعل حائطه صدقة لله تعالى ندما ورجاء للعوض مما فاته

--> « 1 » الحشر : 17 « 2 » النور : 31 « 3 » الأعراف : 201