الغزالي

20

إحياء علوم الدين

من نقل هذه الكلمات قوله ومن التوفيق التوقف عند الحيرة فإذا النظر الأوّل للمراقب نظره في الهم والحركة . أهي لله أم للهوى وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ثلاث من كنّ فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله وإذا عرض له أمران أحدهما للدّنيا والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدّنيا » وأكثر ما ينكشف له في حركاته أن يكون مباحا ، ولكن لا يعنيه فيتركه لقوله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » النظر الثاني : للمراقبة عند الشروع في العمل ، وذلك بتفقد كيفية العمل ليقضى حق الله فيه ، ويحسن النية في إتمامه ، ويكمل صورته ، ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه . وهذا ملازم له في جميع أحواله ، فإنه لا يخلو في جميع أحواله عن حركة وسكون . فإذا راقب الله تعالى في جميع ذلك قدر على عبادة الله تعالى فيها بالنية ، وحسن الفعل ، ومراعاة الأدب . فإن كان قاعدا مثلا ، فينبغي أن يقعد مستقبل القبلة ، لقوله صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « خير المجالس ما استقبل به القبلة » ولا يجلس متربعا ، إذ لا يجالس الملوك كذلك ، وملك الملوك مطلع عليه . قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : جلست مرة متربعا ، فسمعت هاتفا يقول : هكذا تجالس الملوك ؟ فلم أجلس بعد ذلك متربعا . وإن كان ينام فينام على اليد اليمنى مستقبل القبلة ، مع سائر الآداب التي ذكرناها في مواضعها ، فكل ذلك داخل في المراقبة . بل لو كان في قضاء الحاجة فمراعاته لآدابها وفاء بالمراقبة . فإذا لا يخلو العبد إما أن يكون في طاعة ، أو معصية ، أو في مباح . فمراقبته في الطاعة بالإخلاص ، والإكمال ، ومراعاة الأدب ، وحراستها عن الآفات . وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة ، والندم ، والإقلاع ، والحياء ، والاشتغال بالتفكر . وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ، ثم بشهود المنعم في النعمة ، وبالشكر عليها ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بلية لا بدله من الصبر عليها . ونعمة لا بد له من الشكر عليها . وكل ذلك من المراقبة . بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض لله تعالى عليه إما فعل