الغزالي
21
إحياء علوم الدين
يلزمه مباشرته ، أو محظور يلزمه تركه ، أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ، ويسابق به عباد الله ، أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه ، وفيه عون له على طاعته ولكل واحد من ذلك حدود لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة * ( ومن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه ُ ) * « 1 » فينبغي أن يتفقد العبد نفسه في جميع أوقاته في هذه الأقسام الثلاثة . فإذا كان فارغا من الفرائض ، وقدر على الفضائل ، فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها ، فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون ، والأرباح تنال بمزايا الفضائل ، فبذلك يأخذ العبد من دنياه لآخرته ، كما قال تعالى * ( ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيا ) * « 2 » وكل ذلك إنما يمكن بصبر ساعة واحدة ، فإن الساعات ثلاث : ساعة مضت لا تعب فيها على العبد كيفما انقضت في مشقة أو رفاهية ، وساعة مستقبلة لم تأت بعد ، لا يدرى العبد أيعيش إليها أم لا ، ولا يدرى ما يقضي الله فيها ، وساعة راهنة ينبغي أن يجاهد فيها نفسه ، ويراقب فيها ربه . فإن لم تأته الساعة الثانية لم يتحسر على فوات هذه الساعة ، وإن أتته الساعة الثانية استوفى حقه منها كما استوفى من الأولى . ولا يطول أمله خمسين سنة فيطول عليه العزم على المراقبة فيها ، بل يكون ابن وقته ، كأنه في آخر أنفاسه ، فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدرى . وإذا أمكن أن يكون آخر أنفاسه فينبغي أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت وهو على تلك الحالة ، وتكون جميع أحواله مقصورة على ما رواه [ 1 ] أبو ذر رضي الله تعالى عنه ، من قوله عليه السلام « لا يكون المؤمن ظاعنا إلَّا في ثلاث تزوّد لمعاد أو مرمّة لمعاش أو لذّة في غير محرّم » وما روي عنه أيضا في معناه [ 2 ] « وعلى العاقل أن تكون له أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربّه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكَّر فيها في صنع الله تعالى وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب » فإن في هذه الساعة عونا له على بقية الساعات ، ثم هذه الساعة التي هو فيها مشغول
--> « 1 » الطلاق : 1 « 2 » القصص : 77