الغزالي
183
إحياء علوم الدين
ما لم يكن مكشوفا في النوم . والناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا . وأول ما ينكشف له ما يضره وينفعه من حسناته وسيئاته ، وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوى في سر قلبه ، وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا . فإذا انقطعت الشواغل انكشف له جميع أعماله ، فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها تحسرا يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة ، وعند ذلك يقال له * ( كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) * « 1 » وينكشف كل ذلك عند انقطاع النفس ، وقبل الدفن ، وتشتعل فيه نيران الفراق ، أعنى فراق ما كان يطمئن إليه من هذه الدنيا الفانية ، دون ما أراد منها لأجل الزاد والبلغة ، فإن من طلب الزاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزاد ، إذ لم يكن يريد الزاد لعينه . وهذا حال من لم يأخذ من الدنيا إلا بقدر الضرورة ، وكان يود أن تنقطع ضرورته ليستغني عنه ، فقد حصل ما كان يوده ، واستغنى عنه وهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة ، تهجم عليه قبل الدفن ، ثم عند الدفن قد تردّ روحه إلى الجسد لنوع آخر من العذاب . وقد يعفى عنه . ويكون حال المتنعم بالدنيا ، المطمئن إليها ، كحال من تنعم عند غيبة ملك من الملوك في داره ، وملكه ، وحريمه ، اعتمادا على أن الملك يتساهل في أمره ، أو على أن الملك ليس يدرى ما يتعاطاه من قبيح أفعاله ، فأخذه الملك بغتة ، وعرض عليه جريدة قد دونت فيها جميع فواحشه وجناياته ذرة ذرة ، وخطوة خطوة ، والملك قاهر متسلط ، وغيور على حرمه ، ومنتقم من الجناة على ملكه وغير ملتفت إلى من يتشفع إليه في العصاة عليه . فانظر إلى هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به من الخوف ، والخجلة ، والحياء ، والتحسر ، والندم . فهذا حال الميت الفاجر المغتر بالدنيا ، المطمئن إليها ، قبل نزول عذاب القبر به ، بل عند موته نعوذ باللَّه منه ، فإن الخزي والافتضاح وهتك الستر أعظم من كل عذاب يحل بالجسد من الضرب والقطع ، وغيرهما . فهذه إشارة إلى حال الميت عند الموت ، شاهدها أولو البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين . وشهد لذلك شواهد الكتاب والسنة . نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت ، إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة ، ومعرفة الحياة بمعرفة
--> « 1 » الاسراء : 14