الغزالي

169

إحياء علوم الدين

دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها . وكان الحسن بن صالح إذا أشرف على المقابر يقول : ما أحسن ظواهرك ، إنما الدواهي في بواطنك وكان عطاء السلمي إذا جنّ عليه الليل خرج إلى المقبرة ثم يقول : يا أهل القبور ، متّم فوا موتاه ، وعاينتم أعمالكم فوا عملاه . ثم يقول : غدا عطاء في القبور ، غدا عطاء في القبور . فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح . وقال سفيان : من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار وكان الربيع بن خثيم قد حفر في داره قبرا ، فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع ومكث ما شاء الله ، ثم يقول * ( رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) * « 1 » يرددها ، ثم يرد على نفسه ، يا ربيع ، قد رجعتك فاعمل وقال أحمد بن حرب . تتعجب الأرض من رجل يمهد مضجعه ، ويسوّى فراشه للنوم فتقول : يا ابن آدم ، لم لا تذكر طول بلاك وما بيني وبينك شيء ؟ وقال ميمون بن مهران : خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة ، فلما نظر إلى القبور بكى ، ثم أقبل علي فقال : يا ميمون ، هذه قبور آبائي بني أمية ، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشهم ، أما تراهم صرعى قد حلَّت بهم المثلات ، واستحكم فيهم البلى ، وأصابت الهوام مقيلا في أبدانهم . ثم بكى وقال : والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله . وقال ثابت البناني : دخلت المقابر ، فلما قصدت الخروج منها فإذا بصوت قائل يقول : يا ثابت ، لا يغرنك صموت أهلها ، فكم من نفس مغمومة فيها . ويروى أن فاطمة بنت الحسين نظرت إلى جنازة زوجها الحسن بن الحسن فغطَّت وجهها وقالت : وكانوا رجاء ثم أمسوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت وقيل إنها ضربت على قبره فسطاطا واعتكفت عليه سنة ، فلما مضت السنة قلعوا الفسطاط ودخلت المدينة ، فسمعوا صوتا من جانب البقيع : هل وجدوا ما فقدوا ؟

--> « 1 » المؤمنون : 99 ، 100