الغزالي

170

إحياء علوم الدين

فسمعوا من الجانب الآخر ، بل يئسوا فانقلبوا وقال أبو موسى التميمي : توفيت امرأة الفرزدق ، فخرج في جنازتها وجوه البصرة وفيهم الحسن . فقال له الحسن : يا أبا فراس ، ما ذا أعددت لهذا اليوم ؟ فقال شهادة أن لا إله إلا الله منذ ستين سنة . فلما دفنت أقام الفرزدق على قبرها فقال : أخاف وراء القبر إن لم تعافني أشد من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النار مغلول القلادة أزرقا وقد أنشدوا في أهل القبور : قف بالقبور وقل على ساحاتها من منكم المغمور في ظلماتها ومن المكرّم منكم في قعرها قد ذاق برد الأمن من روعاتها أما السكون لذي العيون فواحد لا يستبين الفضل في درجاتها لو جاوبوك لأخبروك بألسن تصف الحقائق بعد من حالاتها أما المطيع فنازل في روضة يفضي إلى ما شاء من دوحاتها والمجرم الطاغي بها متقلب في حفرة يأوى إلى حيّاتها وعقارب تسعى إليه فروحه في شدة التعذيب من لدغاتها ومرّ داود الطائي على امرأة تبكي على قبر وهي تقول : عدمت الحياة ولا نلتها إذا كنت في القبر قد ألحدوكا فكيف أذوق لطعم الكرى وأنت بيمناك قد وسّدوكا ثم قالت : يا ابناه ، ليت شعري بأي خديك بدأ الدود ؟ فصعق داود مكانه وخرّ مغشيا عليه وقال مالك بن دينار . مررت بالمقبرة فأنشأت أقول : أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر وأين المدل بسلطانه وأين المزكى إذا ما افتخر قال . فنوديت من بينها أسمع صوتا ولا أرى شخصا وهو يقول : تفانوا جميعا فما مخبر وماتوا جميعا ومات الخبر