وهبة الزحيلي
89
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً أي رفعت من أماكنها ، وأزيلت من مواقعها بالقدرة الإلهية ، فضرب بعضها ببعض ضربة واحدة ، حتى صارت كتلة واحدة ، ورجعت كثيبا مهيلا منثورا ، وتبددت وتغيرت عما هو معروف ، كما قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ . . [ إبراهيم 14 / 48 ] . والدك أبلغ من الدق . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ فحينئذ قامت القيامة ، ووقعت النازلة . وَانْشَقَّتِ السَّماءُ ، فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ أي وتصدعت السماء ، فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية غير متماسكة الأجزاء بعد أن كانت قوية محكمة البناء . وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها ، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ أي وتكون الملائكة على جوانب السماء وحافاتها على أهبة الاستعداد لتنفيذ ما يأمرهم به اللّه عز وجل ، ويحمل عرش ربك فوق رؤوس الملائكة الذين هم على الأرجاء ثمانية أملاك ، وقيل : ثمانية صفوف من الملائكة ، لا يعلم عددهم إلا اللّه عز وجل . والعرش : أعظم المخلوقات . وحمل العرش مجاز ؛ لأن حمل الإله محال ، فلا بد من التأويل ، وهو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفون ، وعلى سبيل الرمز ، كإيجاد البيت ( الكعبة ) وجعل الحفظة على العباد ، لا للسكنى في البيت ، ولا بسبب احتمال النسيان . يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ أي في ذلك اليوم يعرض العباد على اللّه لحسابهم ، فلا يخفى على اللّه سبحانه من ذواتكم وأقوالكم وأفعالكم وأموركم خافية كائنة ما كانت ، فهو يعلم السرّ وأخفى ، ويعلم بالظواهر والسرائر والضمائر ، وتعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلا ، ليكتمل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين . والعرض : عبارة عن المحاسبة والمساءلة ، شبه ذلك بعرض السلطان