وهبة الزحيلي
46
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أول ما خلق اللّه القلم والحوت ، قال للقلم : اكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : كل شيء كائن إلى يوم القيامة » ثم قرأ ن ، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ . ثم ذكر تتمة المقسم عليه ، فقال تعالى : وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ أي وإن لك لثوابا عظيما على ما تحملت من مهام النبوة ، وقاسيت في إبلاغ الدعوة من أنواع الشدائد ، وذلك الثواب غير مقطوع وإنما هو مستمر ، أو لا يمنّ به عليك من جهة الناس . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ أي وإنك لصاحب الخلق العظيم الذي أمرك اللّه به في القرآن ، لما تحملت من قومك ما لم يتحمله أمثالك ، ففيك الأدب الجمّ والحياء والجود والشجاعة والحلم والصفح وغير ذلك من محاسن الأخلاق . وقد امتثلت تأديب اللّه تعالى إياك في قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف 7 / 199 ] . روى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة : أنها سئلت عن خلق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت : كان خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن . أو كان خلقه القرآن ، أما تقرأ : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . يدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه بعثني لأتمم مكارم الأخلاق » « 1 » ومكارم الأخلاق : هي صلاح الدنيا والدين والمعاد . وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال فيما رواه ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود : « أدّبني ربّي فأحسن تأديبي » إذ قال : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف 7 / 199 ] فلما قبلت ذلك منه ، قال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ .
--> ( 1 ) هذه رواية ، وفي رواية أحمد والبخاري في الآدب والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة : « إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق » .