وهبة الزحيلي
47
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
و ثبت في الصحيحين عن أنس قال : « خدمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشر سنين ، فما قال لي : أفّ قط ، ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ؟ » . وأخرج أحمد عن عائشة قالت : ما ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده خادما له قط ، ولا ضرب امرأة ، ولا ضرب بيده شيئا قط ، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه ، ولا خيّر بين شيئين قط ، إلا كان أحبّهما إليه أيسرهما ، حتى يكون إثما ، فإذا كان إثما ، كان أبعد الناس من الإثم ، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات اللّه ، فيكون هو ينتقم للّه عزّ وجلّ » . وبعد وصفه بأنه على خلق عظيم أوعد اللّه تعالى المشركين وهددهم بقوله : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أي ستعلم يا محمد ، وسيعلم الكفار المشركون مخالفوك ومكذبوك في الدنيا ويوم القيامة من المفتون المجنون الضالّ منكم ومنهم ؟ وهذا ردّ على زعمهم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كان مفتونا ضالّا . فالمراد بالمفتون : الذي فتن بالجنون . وهو أسلوب رفيع من الخطاب ، فيه البعد عن الإثارة ، ولفت النظر والعقل . وهذا التهديد كقوله تعالى : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [ القمر 54 / 26 ] . وقوله سبحانه : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ 34 / 24 ] . ثم أكّد اللّه تعالى الوعيد والوعد بقوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي إن اللّه ربّك يعلم من هو في الحقيقة الضالّ ، أنت أم من اتّهمك بالضلال ، ومن هو المهتدي من الفريقين منكم ومنهم ، هداية موصلة إلى السعادة العاجلة والآجلة ؟