وهبة الزحيلي
38
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ذلك ، فلا ينجي الكافرين أحد من عذاب اللّه ، سواء أهلك اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين معه ، كما كان الكفار يتمنونه أو ينتظرونه ، أو أمهلهم . والمراد بالآية تنبيه الكفار وحثهم على طلب النجاة والإنقاذ بالتوبة والإنابة والرجوع إلى اللّه بالإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة والبعث ، وإعلامهم بأنه لا ينفعهم وقوع ما يتمنون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين من العذاب والنكال ، فسواء عذبهم اللّه أو رحمهم ، فلا مناص لهم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بهم . الوجه الثاني - قُلْ : هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي قل لهم : إنه اللّه الرحمن الذي آمنا به وحده ، لا نشرك به شيئا ، وعليه توكلنا في جميع أمورنا ، لا على غيره . والتوكل : تفويض الأمور إليه عز وجل ، كما قال تعالى : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود 11 / 123 ] . ولهذا قال تعالى : فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ستدركون من هو في خطأ واضح منا ومنكم ، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة . وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال . وإذا كان هذا حالهم فكيف يقبل اللّه دعاءهم على المؤمنين ؟ ثم ذكر اللّه تعالى الدليل على وجوب التوكل عليه لا على غيره ، فقال مظهرا الرحمة في خلقه : قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً ، فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ أي قل لهم يا محمد : أخبروني إن صار ماؤكم الذي جعله اللّه لكم في العيون والآبار والأنهار لمنافعكم المتعددة غائرا ذاهبا في الأرض إلى أسفل بحيث لا ينال بالدلاء وغيرها ، فمن الذي يأتيكم بماء كثير جار لا ينقطع ، أي لا يأتيكم به أحد إلا اللّه تعالى ، وذلك بالأمطار والثلوج والأنهار ، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض لتحقيق حاجة الناس قلة وكثرة .