وهبة الزحيلي

299

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور ، رأيت نعيما لا يوصف ، وسلطانا وملكا عظيما لا يقدر قدره . جاء في الحديث عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ، ينظر إلى أقصاه ، كما ينظر إلى أدناه » « 1 » . ثم وصف ملابسهم وحليهم بقوله : عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ، وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ أي لباسهم الذي يعلوهم هو الحرير الرفيع الرقيق الأخضر ، والديباج الغليظ ، وحلوا بأساور من فضة ، وفي آية أخرى : يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [ الكهف 18 / 31 ، فاطر 35 / 33 ] أي تارة تكون حليهم الفضة ، وتارة الذهب . ثم ذكر اللّه تعالى شرابا آخر لهم غير الممزوج بالكافور أو بالزنجبيل ، فقال : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً أي وسقاهم ربّهم بشراب غير ما سبق يطهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة ، كما روي عن علي رضي اللّه عنه . والطهور مبالغة طاهر ، والمراد أنها ليست بنجسة ، ولا مستقذرة طبعا ، ولا تؤول إلى النجاسة ، ولكنها ترشح عرقا من أبدانهم ، له ريح كريح المسك . قال أبو قلابة وإبراهيم النخعي : يؤتون بالطعام ، فإذا كان آخره أتوا بالشراب الطهور ، فيشربون ، فتضمر بطونهم من ذلك ، ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك . ثم ذكر اللّه تعالى علة هذا الفضل والنعيم ، فقال : إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً ، وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً أي ويقال لهؤلاء الأبرار الممتعين بالجنان ، تكريما لهم وإحسانا إليهم : إن هذا المذكور من أنواع النعم ،

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 4 / 457