وهبة الزحيلي
296
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الخطاب على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو راقد على حصير من جريد ، وقد أثّر في جنبه ، فبكى عمر فقال : ما يبكيك ؟ قال : ذكرت كسرى وملكه ، وهرمز ، وصاحب الحبشة وملكه ، وأنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على حصير من جريد ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أما ترضى أن لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ، فأنزل اللّه تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً . المناسبة : بعد بيان طعام أهل الجنة ولباسهم ، ذكر اللّه تعالى أوصاف مساكنهم وكيفية جلوسهم فيها وأشربتهم وأوانيهم وخدمهم واعتدال هوائهم ، ثم أشار إلى تجملهم بمحاسن الثياب والحلي ، وذكر في النهاية أن هذه النعم جزاء عملهم . التفسير والبيان : يخبر اللّه تعالى عن أوضاع أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم ، وما أسبغ عليهم من الفضل العظيم ، فقال تعالى : مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ ، لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً أي جزاهم اللّه جنة ، متكئين فيها على الأسرة المظللة بالحجال أو الكلل ، لا يرون فيها حرّ الشمس ، ولا برد الزمهرير ، بل إن هواءها معتدل ، جاء في الحديث : « هواء الجنة سجسج ، لا حرّ ولا قرّ » والسجسج : الظل الممتد كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس « 1 » . وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا أي وإن ظلال الأشجار قربة منهم ، مظللة عليهم ، زيادة في نعيمهم ، وإن كان لا شمس هناك ، وسخرت وأدنيت ثمارها لمتناوليها تسخيرا ، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع ، لا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك . فقوله : وَدانِيَةً أي وجزاهم جنة أخرى
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 19 / 138