وهبة الزحيلي

297

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

دانية عليهم ظلالها . ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح عليه في الدنيا ، وهو الضوء النوراني ، فإنه لا شمس هناك ، فمعنى دنوّ الظلال : أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس ، لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة ، وقد أكّد هذا المعنى بقوله : وَذُلِّلَتْ . . أي لا تمتنع على قطّافها كيف شاؤوا « 1 » . ثم أخبر اللّه تعالى عن شرابهم وأوانيهم التي فيها يشربون ، فقال : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا . قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً أي يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام ، وهي من فضة ، وبأكواب الشراب : وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم ، وهي أيضا من فضة ، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير وهي الزجاج ، حتى يرى داخلها ، من خارجها ، وجاءت في الشكل والحجم كما يريدون لا تزيد ولا تنقص . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : « ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة » . وجاء في آية أخرى : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ [ الزخرف 43 / 71 ] . وهذا يدل على أنهم تارة يسقون بأكواب الفضة ، وتارة بأكواب الذهب . والصحاف : هي القصاع . والفرق بين الآنية والأكواب : أن الأكواب كما تقدم هي الكيزان التي لا عرى لها ، والآنية هي ما له عرى ، كالقدح . ثم وصف اللّه تعالى مشروبهم نفسه قائلا : وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا أي ويسقى الأبرار أيضا في هذه الأكواب في الجنة خمرا ممزوجة بالزنجبيل ، فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور

--> ( 1 ) غرائب القرآن : 29 / 124