وهبة الزحيلي
255
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبّه عليها بقوله : أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت ، كان على ضم العظام الكبار أقدر . وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر ؛ لأنه آخر ما يتم به خلقه ، فذكره يدل على تمام الأصبع ، وتمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها . وقيل : معنى التسوية : جعلها شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار ، بحيث لا يقدر على البطش . والمراد أنه قادر على ردّ العظام والمفاصل إلى هيئتها الأولى ، وعلى ضد ذلك . بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ هذا إضراب عما سبق لتقرير أمر آخر ، وهو أن الإنسان يريد في الحقيقة أن يدوم على فجوره في مستقبل أيامه ، فيقدّم الذنب ، ويؤخر التوبة . قال سعيد بن جبير : يقدّم الذنب ، ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شرّ أحواله . والخلاصة : أن إنكار البعث يتولد من شبهتين : الأولى - بأن يستبعد الإنسان اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها ، والثانية - من التهوّر ، بأن ينكر المعاد بالهوى واسترسال الطبع والميل إلى الفجور . فأجاب تعالى عن الشبهة الأولى بقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ . . وأنكر على صاحب الشبهة الثانية بقوله : بل يريد أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب ، لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة ، كما قال تعالى : يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ أي يسأل سؤال استبعاد لوقوعه واستهزاء وتعنتا : متى يوم القيامة ؟ ومن لم يؤمن بالبعث ارتكب أعظم الآثام ، وبادر إلى انتهاب اللذات غير عابئ بما يفعل .