وهبة الزحيلي

254

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه ، وفي ضم النفس اللوّامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة : هو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدّها « 1 » . والصحيح أنه أقسم بهما جميعا معا ، كما قال قتادة رحمه اللّه « 2 » ، أي أنه سبحانه سيجمع العظام ، ثم يحيي كل إنسان ، ليحاسبه ويجزيه . قال الحسن البصري : إن المؤمن ، واللّه ما نراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلمتي ، ما أردت بأكلتي ، ما أردت بحديث نفسي ، وإن الفاجر يمضي قدما وقدما ما يعاتب نفسه . وقال أيضا : ليس أحد من أهل السماوات والأرضين إلا يلوم نفسه ، يوم القيامة . وقال سعيد بن جبير : سألت ابن عباس عن قوله : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال : يقسم ربك بما شاء ممن خلقه . وقال الفرّاء : ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها ؛ فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحسانا ، والمسئ يلوم نفسه ألا يكون ارعوى عن إساءته . والخلاصة : أن الأشبه بظاهر التنزيل كما قال ابن كثير : أن النفس اللوّامة هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر ، وتندم على ما فات . أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ؟ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أي أيظن أي إنسان أننا لن نقدر على جمع عظامه ، بعد أن صارت رفاتا ، فنعيدها خلقا جديدا ، وذلك حسبان باطل ، فإنا نجمعها ، وبلى سنجمعها قادرين عند البعث على إعادة تسوية أكثر العظام تفرقا ، وأدقها أجزاء ، وهي العظام التي في الأنامل ومفاصلها . وقوله : قادِرِينَ تأكيد القدرة ؛ لأنه

--> ( 1 ) غرائب القرآن : 28 / 105 ( 2 ) تفسير ابن كثير : 4 / 447