وهبة الزحيلي

244

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

حمر الوحش إذا فرت من رماة يرمونها ، أو من أسد يريد افتراسها . فالقسورة : إما جماعة الرماة الذين يتصيدونها ، أو الأسد ، وهو رأي جمهور اللغويين ، سمي بذلك لأنه يقهر السباع ، قال ابن عباس : الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت ، كذلك هؤلاء المشركون ، إذا رأوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، هربوا منه ، كما يهرب الحمار من الأسد . وهذا التشبيه في غاية التقبيح والتهجين لحالهم ، وإعلامهم بأنهم قوم بله . والآية دليل على أن إعراضهم عن الحق والإيمان بغير سبب ظاهر مقنع ، ولا استعداد للتفاهم والاقتناع ، ففي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة ، ونداء عليهم بالبلادة والغباوة ، وعدم التأثر من مواعظ القرآن ، بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجبا لنفرتهم « 1 » . ثم أتى بصورة من عنادهم ، فقال تعالى : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً أي بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب ، كما أنزل اللّه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهم قد بلغوا من العناد حدا تجاوزوا به أقدارهم ، كما جاء في آية أخرى : وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام 6 / 124 ] . وقال تعالى أيضا واصفا مطلبهم : وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [ الإسراء 17 / 93 ] . قال المفسرون : إن كفار قريش قالوا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم : ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من اللّه : أنك رسول اللّه . وكل هذا ونحوه مما حكة وتعنت ومكابرة ، فهم لن يؤمنوا ، كما قال تعالى :

--> ( 1 ) غرائب القرآن للنيسابوري : 28 / 100