وهبة الزحيلي
245
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ الأنعام 6 / 7 ] . ثم أبان اللّه تعالى سبب تعنتهم ، فقال : كَلَّا ، بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ أي زجر لهم وردع على اقتراحهم إنزال تلك الصحف المفتوحة المبسوطة ، فلا يؤتونها ، وهم في الحقيقة منكرون البعث والحساب ؛ لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات . وكفاهم القرآن ، كما قال تعالى : كَلَّا ، إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي حقا إن القرآن تذكرة ، ويكفيهم القرآن ، فإنه خير تذكرة وموعظة ، فمن أراد أن يذكره ويتعظ به ولا يهمله ، اتعظ ، فهو موعظة بليغة ، وتذكر شاف . ثم بيّن السبب الأصلي في عدم التذكرة ، وذكر ما ينبئ عن كمال الهيبة ، وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقى ، وصفة اللطف الذي به يجب أن يرجى : وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ، هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ أي لا يقع شيء في هذا الكون قهرا عن اللّه ، فما يذكرون القرآن ويتعظون به إلا بمشيئة اللّه ، الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعاته ، والحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب ، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة ، فيغفر ذنوبهم . روى أحمد والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسر هذه الآية ، فقال : « يقول لكم ربكم جلّت قدرته وعظمته : أنا أهل أن أتّقى ، فلا يجعل معي إله غيري ، ومن اتّقى أن يجعل معي إلها غيري ، فأنا أغفر له » أو « كان أهلا أن أغفر له » .