وهبة الزحيلي
198
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق ، فإنه يجيء من بعدي أقوام يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم ، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم » فهذا نعي على الترجيع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح . ثانيا - ما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ذكر أشراط الساعة ، وذكر أشياء ، منها : أن يتخذ القرآن مزامير ، وقال : « يقدّمون أحدهم ، ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ليغنيهم غناء » . ثالثا - أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال : كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مؤذن يطرب ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الأذان سهل سمح ، فإن كان أذانك سهلا سمحا ، وإلا فلا تؤذن » فقد كره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطرب المؤذن في أذانه ، مما يدل على كراهة التطريب في القراءة بالأولى . رابعا - أنكر أنس بن مالك على زياد النميري حينما قرأ ورفع صوته وطرب ، وقال : يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون . خامسا - إن التغني والتطريب يؤدي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه ؛ لأنه يقتضي مد ما ليس بممدود ، وهمز ما ليس بمهموز ، وجعل الحرف الواحد حروفا كثيرة ، وهو لا يجوز . كما أن التلحين يلهي النفس بنغمات الصوت ، ويصرفها عن تدبر معاني القرآن . والحق التوسط في الأمر ، فإذا كان التلحين والتطريب يغير من ألفاظ القرآن ، ويخل بطرق الأداء ، أو كان تكلّفا وتصنعا يشبه توقيعات الموسيقى ، فهو ممنوع وحرام . أما إذا كان تحبيرا وترقيقا وتحزينا يؤدي إلى اتعاظ القارئ ، وكمال تأثره بمعاني القرآن ، فلا دليل على المنع ، بل الأدلة تجيزه .