وهبة الزحيلي

105

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي وليس القرآن بقول كاهن ( وهو من يدعي الغيب في المستقبل ) كما تزعمون ، فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين القرآن ، ولان القرآن ورد بسبب الشياطين ، فلا يعقل أن يكون بإلهامهم ، ولكنكم تتذكرون تذكرا قليلا ، ولذلك يلتبس الأمر عليكم ، فلا تتذكرون كيفية نظم القرآن ، واشتماله على شتم الشياطين ، فقلتم : إنه كهانة . ثم صرح تعالى بالمقصود ، فقال : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي بل هو تنزيل من اللّه رب الإنس والجن ، نزل به جبريل الأمين على قلب رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو قول هذا الرسول بمعنى أنه مبلّغ له عن المرسل ، وهو الذي أظهره للخلق ، ودعا الناس إلى الإيمان به ، وجعله حجة لنبوته . روى الإمام أحمد عن شريح بن عبيد قال : قال عمر بن الخطاب : « خرجت أتعرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن أسلم ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد ، فقمت خلفه ، فاستفتح سورة الحاقة ، فجعلت أعجب من تأليف القرآن ، قال : فقلت : كاهن ، قال : فقرأ : وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ إلى آخر السورة ، قال : فوقع الإسلام في قلبي كل موقع ، قال ابن كثير : فهذا من جملة الأسباب التي جعلها اللّه تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . ثم أكد اللّه تعالى أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لا يستطيع أن يفتعل القرآن ، فقال : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي ولو افترى محمد أو جبريل شيئا من الأقوال الباطلة ، وجاء به من عند نفسه ونسبه إلى اللّه على سبيل الفرض ، لأخذناه بالقوة ، وعاجلناه بالعقوبة ، وانتقمنا منه ، أو لأخذنا بيمينه ، كما يؤخذ الشخص عند إرادة قتله . فاليمين : القوة ، كما قال الشمّاخ :