وهبة الزحيلي

106

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أي ثم بترنا الوتين من قلبه ، وهو عرق متصل من القلب بالرأس ، إذا انقطع مات صاحبه . وهذا تصوير لإهلاكه بأفظع وأشنع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه ويمنعنا منه أو ينقذه منا ، فكيف يجرأ على تكلف الكذب على اللّه لأجلكم ؟ ! وجمع : حاجِزِينَ على المعنى ؛ لأن قوله : مِنْ أَحَدٍ في معنى الجماعة ، يقع في النفي العام على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، مثل قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة 2 / 285 ] وقوله سبحانه : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [ الأحزاب 33 / 32 ] . والمراد لا أحد يمنعنا عن الرسول أو عن القتل . ثم ذكر اللّه تعالى أوصافا ومنافع للقرآن ، فقال : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ أي وإن القرآن لعظة وتذكرة لأهل التقوى الذين يخشون عذاب اللّه بإطاعة أوامره واجتناب نواهيه ، كقوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة 2 / 2 ] . وخص المتقين بالذكر ؛ لأنهم المنتفعون به . وناسب ذلك أنه تعالى أوعد المكذبين بقوله : وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ أي وإنا لنوقن أن بعضكم يكذب بالقرآن ، كفرا وعنادا ، ونحن نجازيهم على ذلك ، وبعضكم يصدّق به لاهتدائه إلى الحق . وفي هذا وعيد شديد للمكذبين . وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ أي وإن هذا القرآن لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة إذا رأوا ثواب المؤمنين وفضل اللّه عليهم . وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ أي وإن القرآن هو الخبر الصدق واليقين الحق الذي