وهبة الزحيلي
104
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ليس بقول شاعر ولا كاهن ، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالشعر والكهانة ، وإنما يصفون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل عليه السلام ، لأن الأوصاف التي بعده تناسبه ، كما سيأتي . وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ ، قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ أي ليس القرآن بقول شاعر ، كما تزعمون ؛ لأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بشاعر ، ولأن آيات القرآن ليست من أصناف الشعر ، وأنتم تؤمنون إيمانا قليلا ، وتصدقون تصديقا يسيرا . والقلة على ظاهرها وهي إقرارهم إذا سئلوا : من خلقكم ؟ قالوا : اللّه . ويحتمل أن يكون المتصف بالقلة هو الإيمان اللغوي ؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئا ؛ إذ كانوا يصدّقون أن الخير والصلة والعفاف ونحوه الذي كان يأمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو حق صواب . وإنما قال عند نفي الشعر عنه : قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وعند نفي الكهانة : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبيّن المحسوس . أما من حيث اللفظ فظاهر ؛ لأن الشعر كلام موزون مقفّى ؛ وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا النادر غير المتعمد . وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق والبراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدّق ولا يعاند . وانتفاء الكهانة عنه يحتاج إلى تأمل ، فإن كلام الكهان أسجاع لا معاني لها ، وأوضاع تنبو عنها الطباع ، وأيضا في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم ، والكهان إخوان الشياطين ، فكيف رضوا بإظهار قبائحهم « 1 » .
--> ( 1 ) غرائب القرآن للحسن القمي النيسابوري : 29 / 42 .