وهبة الزحيلي

16

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فإعتاق رقبة كاملة ، أو فعليهم رقبة ، والرقبة هنا مطلقة غير مقيدة بالإيمان ، فاقتضى ذلك إجزاء عتق رقبة مؤمنة أو كافرة ، وبهذا الظاهر قال الحنفية والظاهرية ، لأنه لو كان الإيمان شرطا لبيّنه سبحانه كما بيّنه في كفارة القتل ، فوجب أن يطلق ما أطلقه اللّه ، ويقيد ما قيده ، فيعمل بكل منهما في موضعه ، ورأى الحنفية بناء على قواعدهم أن اشتراط الإيمان هنا زيادة على النص ، وهو نسخ ، والقرآن لا ينسخ إلا بالقرآن أو الخبر المتواتر أو المشهور ، ولا يحمل المطلق على المقيد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة . واشتراط الجمهور الإيمان في كفارة غير القتل ، كما هو شرط في كفارة القتل الخطأ بنص القرآن ، ويحمل المطلق على المقيد ، أي يحمل ما أطلق هنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب : وهو عتق الرقبة ، واعتضد في ذلك بما رواه مالك بسنده عن معاوية بن الحكم السّلمي في قصة الجارية السوداء ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أعتقها فإنها مؤمنة » « 1 » . وضمير مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا للمظاهر والمظاهر منها المعلومين من الكلام السابق ، والتّماس : كناية عن الجماع ، فيحرم الجماع قبل التكفير ، ومقدمات الجماع كالتقبيل ونحوها حرام أيضا عند الحنفية ، لأن طريق الحرام حرام ، وليست بحرام في الأظهر عند الشافعية ، لأن تحريم الجماع لا صلة له بعقد الزواج ، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه ، والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أي فمن لم يجد الرقبة في ملكه ، ولا تمكّن من ثمنها أو قيمتها زائدا عن قدر كفايته ، أو لم يجد

--> ( 1 ) ورواه أيضا أحمد في مسنده ومسلم في صحيحة .