وهبة الزحيلي

64

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله ، استمتاعا وتلذذا واعترافا بالنعمة . قالُوا : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ أي كنا في الدنيا خائفين من عذاب اللّه ، وهذا القول إيماء إلى علة الوصول إلى الجنة . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالمغفرة والرحمة . وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ حمانا من عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم ، وقرئ : وَوَقانا بالتشديد . وقالوا أيضا إيماء إلى علة الوصول إلى الجنة : إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ في الدنيا . نَدْعُوهُ نعبده موحدين ، أو نسأله الوقاية . إِنَّهُ بالكسر : استئناف ، وإن كان تعليلا معنى ، وقرئ بالفتح : أنه تعليلا لفظا . الْبَرُّ المحسن ، الصادق في وعده . الرَّحِيمُ الكثير الرحمة . المناسبة : بعد بيان وقوع البعث والعذاب بالكافرين حتما وما يلاقونه من الشدائد والإهانات ، ذكر اللّه تعالى حال المؤمن وجزاءه المتميز ، أي أنه ذكر ما يتلقاه المؤمن في الآخرة بعد بيان حال الكافر ، ثم ذكر الثواب عقب العقاب ، جريا على الموازنة وعادة القرآن في إيراد الأضداد ، والجمع بين الترغيب بالترهيب ، حتى يتأمل الإنسان في المصير ، فيرغب في الرحمة ، ويرهب النقمة والعقاب . ومما يزيد في الترغيب : أنه تعالى لم يقصر النعمة على المستحق ، وإنما أفاضها أيضا على الذرية والأولاد ، فلم يكتف بتعداد صنوف اللذات النفسية في الملبس والمسكن والمأكل والمشرب والزواج ، وإنما زاد في الفضل والإكرام ، فألحق بالأصول الذرية المؤمنة في المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الجنان . وأبعد اليأس والملل والوحشة عن أهل الجنة ، وأحل محلها المتعة المتجددة والأنس ، بتجاذب الكؤوس فرحا ولعبا ، والتنذر بأطيب الأحاديث ، والتحدث بأحوال الدنيا ومقارنتها بأحوال الآخرة ، ونحو ذلك . التفسير والبيان : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ، فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ، وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا باتباع أوامره واجتناب نواهيه يكونون