وهبة الزحيلي
63
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
كُلُوا وَاشْرَبُوا . . أي ويقال لهم ذلك . هَنِيئاً أي أكلا وشربا هنيئا ، أو طعاما وشرابا هنيئا : وهو ما لا تنغيص فيه ولا نكد ، أو ما لا مشقة فيه ولا يؤدي إلى سقم أو عناء وتخمة . بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بسبب عملكم . سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ أي متصلة ببعضها حتى تصير صفا واحدا . وَزَوَّجْناهُمْ قرناهم ، معطوف على جَنَّاتٍ . بِحُورٍ عِينٍ حور : جمع حوراء : وهي المرأة البيضاء ، والعين : جمع عيناء ، وهي المرأة العظيمة الواسعة العين ، أي نساء بيض عظام الأعين حسانهن ، وحور العين : اسوداد المقلة . وَالَّذِينَ آمَنُوا معطوف على بِحُورٍ أي قرناهم بأزواج ورفقاء مؤمنين كقوله تعالى : إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [ الحجر 15 / 47 ] ، ويصح جعله مبتدأ ، وخبره : أَلْحَقْنا بِهِمْ . وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ اعتراض للتعليل ، والذرية : لفظ يقع على الواحد والكثير ، وقرئ : وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان ، والذرية : تشمل الصغار والكبار ، وقوله : بِإِيمانٍ حال من ضمير : واتبعتهم ، وتنكيره للتعظيم ، أو الإشعار بأنه يكفي للإلحاق : المتابعة في أصل الإيمان . أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ في دخول الجنة ، أو الدرجة ، وإن لم يعملوا بعملهم ، تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم ، ولما روي مرفوعا : أنه صلى اللّه عليه وسلم قال فيما يرويه ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس : « إن اللّه يرفع ذرية المؤمن في درجته ، وإن كانوا دونه لتقرّ بهم عينه » ثم تلا هذه الآية . وَما أَلَتْناهُمْ وما نقصناهم بهذا الإلحاق . مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي فيزاد في عمل الأولاد بالتفضل عليهم ، وهو اللائق بكمال لطف اللّه . بِما كَسَبَ من خير أو شر . رَهِينٌ مرهون بعمله عند اللّه ، فيؤاخذ بالشر ، ويجازى بالخير ، والعمل الصالح يكفّه ، والعمل الصالح يهلكه . وَأَمْدَدْناهُمْ زدناهم وقتا بعد وقت . مِمَّا يَشْتَهُونَ من أنواع النعم ، وإن لم يصرحوا بطلبه . يَتَنازَعُونَ فِيها يتجاذبون في الجنة ملاعبة وسرورا ، أو يتعاطون بينهم . كَأْساً خمرا ، فهي إناء الخمر ما دام مملوءا فإن كان فارغا لم يسم كأسا ، وسماها باسم محلها ، ولذلك أنت الضمير في قوله : لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ أي لا يتكلمون بسبب شربها بلغو الحديث ( وهو ما لا خير فيه ) ، ولا يفعلون ما يأثم به فاعله من فحش الكلام وغيره مما يغضب اللّه ، كما هو عادة الشاربين في الدنيا ، وذلك مثل قوله تعالى : لا فِيها غَوْلٌ [ الصافات 37 / 47 ] . وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة بالكأس وغيرها . غِلْمانٌ لَهُمْ مماليك مخصوصون بهم . كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ أي كأن الغلمان حسنا ولطافة لؤلؤ مصون في الصدف ، لأن فيها أحسن منها في غيرها ، وذلك من صفائهم وبياضهم ، قال صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه ابن جرير وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة : « والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » .