وهبة الزحيلي
49
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تريده السادة عادة من عبيدهم ، فإن اللّه هو الغني المعطي ، الرزاق المعطي ، الذي يرزق مخلوقاته ، ويقوم بما يصلحهم ، وهو ذو القدرة والقوة ، والشديد القوة ، فلم يخلقهم لنفع ينفعونه به ، فعليهم أن يؤدوا ما خلقوا له من العبادة . وما في قوله : ما أُرِيدُ . . للنفي في الحال ، ولا : للنفي في الاستقبال ، ونفي الحال وهو الدنيا أولى من نفي الاستقبال وهو في أمر الآخرة . والخلاصة : أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له ، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ، ومن عصاه عذّبه أشد العذاب ، وهو غير محتاج إليهم ، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم . روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قال اللّه تعالى : « يا ابن آدم ، تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ، ملأت صدرك شغلا ، ولم أسد فقرك » . وورد في بعض الكتب الإلهية : يقول اللّه تعالى : « ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب ، وتكفلت برزقك فلا تتعب ، فاطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء » . ثم هدد اللّه تعالى مشركي مكة وأمثالهم بقوله : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ ، فَلا يَسْتَعْجِلُونِ أي فإن للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك وتكذيب الرسول نصيبا من العذاب ، مثل نصيب أمثالهم الكفار من الأمم السابقة ، فلا يطلبوا مني تعجيل العذاب لهم ، فإن حظهم من العذاب آت لا ريب فيه ، وواقع لا محالة ، كما قال تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ ، فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل 16 / 1 ] . وهذا جواب قولهم : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الملك 67 / 25 ] وقولهم : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ هود 11 / 32 ] .