وهبة الزحيلي

46

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أو مجنونا . ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . الآية كالتفسير له ، أي مثل تكذيبهم لك بقولهم : إنك ساحر أو مجنون تكذيب الأمم قبلهم رسلهم بقولهم ذلك . أَ تَواصَوْا بِهِ أي هل أوصى أولهم آخرهم ؟ استفهام بمعنى النفي على سبيل التعجب ، أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول ، حتى قالوه كلهم . بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول طغيانهم . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أعرض عنهم وعن مجادلتهم بعد الإصرار والعناد . فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ لست ملوما على الإعراض عنهم ، لأنك بلّغتهم الرسالة وبذلت الجهد في التذكير . وَذَكِّرْ داوم على التذكير والموعظة بالقرآن . فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ : من علم اللّه تعالى أنه يؤمن ، فإن التذكير يزيده بصيرة . إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إلا لنأمرهم بالعبادة ويعبدوا اللّه بالفعل لا لاحتياجي إليهم ، فإن أعرض أو قصر بعضهم أو أكثرهم فعليه تبعة فعله . ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ . . لا أريد منهم الاستعانة بهم على تحصيل أرزاقهم ومعايشهم لأنفسهم أو غيرهم وهو أولى . وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أن يطعموا أنفسهم أو غيرهم . والمراد بيان أن شأن اللّه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم ، فإنهم يملكونهم للاستخدام في حوائجهم الرَّزَّاقُ الذي يرزق كل محتاج ، وفيه إيماء باستغنائه عن الرزق . الْمَتِينُ الشديد القوة . ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم . ذَنُوباً نصيبا من العذاب ، وأصل الذنوب في اللغة : الدّلو العظيمة المملوءة ماء . مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ مثل نصيب نظائرهم من الأمم السالفة ، الهالكين قبلهم . فَلا يَسْتَعْجِلُونِ بالعذاب إن أخّرتهم إلى يوم القيامة ، وهو جواب لقولهم : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الملك 67 / 25 ] . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي هلاك لهم وشدة عذاب . مِنْ يَوْمِهِمُ في يومهم وهو يوم القيامة . سبب النزول نزول الآيتين ( 54 ، 55 ) : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ . . وَذَكِّرْ . . : أخرج ابن منيع وابن راهويه والهيثم بن كليب في مسانيدهم عن علي قال : لما نزلت : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة ، إذ أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتولى عنهم ، فنزلت : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فطابت أنفسنا .