وهبة الزحيلي
47
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أنه لما نزلت : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ الآية ، اشتد على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ورأوا أن الوحي قد انقطع ، وأن العذاب قد حضر ، فأنزل اللّه تعالى : وَذَكِّرْ ، فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . المناسبة : بعد بيان الأدلة على الحشر ، وعلى إثبات الوحدانية وعظيم القدرة الإلهية ، وتذكير المشركين بإهلاك الأمم المكذبة السالفة ، بيّن اللّه تعالى أن كل رسول كذّب ، وكأن التكذيب بين الأمم شيء متواصى به من الجميع ، والواقع أنهم قوم طغاة تجاوزوا حدود اللّه ، لذا أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالإعراض عنهم ، علما بأنهم خلقوا لعبادة اللّه ، لا لتحصيل المعايش والأرزاق ، ثم ختمت السورة بتهديد مشركي مكة بعذاب مماثل العذاب من قبلهم من الأمم ، والعذاب واقع بهم ، لا شك فيه ، ولا مردّ له . التفسير والبيان : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أي كما كذبك قومك من العرب ، ووصفوك بالسحر أو الجنون ، فعلت الأمم المتقدمة التي كذبت رسلها ، فهذا شأن الأمم في القديم ، ولست أنت وحدك الذي كذّب . وهذا تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم عن إعراض قومه ، وحمله على الصبر وتحمل الأذى . أَ تَواصَوْا بِهِ ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ هذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار بمعنى النفي ، فهو تعجيب من حالهم يراد به : كأنما أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب ، وتواطؤوا عليه ، أي هل أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة ؟ والواقع أنهم لم يتواصوا بذلك لتباعد زمانهم ، لكن هم قوم طغاة ، جمعهم الطغيان : وهو مجاوزة الحد في الكفر ، فقال متأخروهم كما قال متقدموهم . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ، فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي أعرض عنهم أيها الرسول ، وكفّ عن