وهبة الزحيلي
327
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فالأشياء والأحداث والمصائب تنسب إلى اللّه الموجد لها ، لا إلى أحد من البشر في الحقيقة ، وأما ما يقال من التشاؤم ( الطيرة ) في المرأة والدابة والدار ، فذلك بحسب عرف الناس وتصوراتهم ومقالاتهم ، لا في واقع الأمر ، كذلك السحر والعين والقتل كل ذلك يحدث بتأثير اللّه ، فهو المؤثر والفعال الحقيقي ، وأما فعل الناس فهو مجرد أمر أو سبب في الظاهر ، فينسب إليه الشيء الحادث ظاهرا ، لا حقيقة . وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لقصرها على أحوال الدنيا ، لذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم الدين » ولم يقل : إلى الأبد . أخرج الإمام أحمد ، والحاكم وصححه عن أبي حسان : أن رجلين دخلا على عائشة رضي اللّه تعالى عنها فقالا : « إن أبا هريرة يحدّث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار » ، فقالت : والذي أنزل القرآن على أبي القاسم صلى اللّه عليه وسلم ما هكذا كان يقول ، ولكن كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : كان أهل الجاهلية يقولون : إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار » ، ثم قرأت : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ الآية . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ أي أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم في الدنيا ، ولا تفرحوا فرح بطر بما هو آت ، فلا تأسوا على ما فاتكم ، لأنه لو قدر شيء لكان ، ولا تفرحوا بما جاءكم أو أعطاكم ، أي لا تفخروا على الناس بما أنعم اللّه به عليكم ، فإن ذلك من قدر اللّه ورزقه لكم ، لذا قال تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ أي إن اللّه يعاقب كل مختال في نفسه ، أي متكبر ، فخور على غيره ، أي مباه بماله أو جاهه . وبه يتبين أن الحزن المذموم : هو الذي لا صبر لدى صاحبه ، ولا رضا