وهبة الزحيلي

29

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فناسب قولهم : حَمِيدٌ مَجِيدٌ لأن الحميد : هو الذي يستحق الحمد والشكر لصدور الأفعال الحسنة منه ، والمجيد : الممجد الذي يستحق الحمد بنفسه وبمجده . وأما هنا فأرادوا التنبيه إلى الحكمة العامة من الولادة في الكبر وبعد العقم طوال الحياة . وهي الدلالة على حكمته وعلمه ، فهو حكيم في فعله يضع الأمور في نصابها ، عليم بشؤون خلقه « 1 » . وبعد بشارة الملائكة إبراهيم عليه السلام بالغلام ، سألهم عن شأنهم وسبب مجيئهم : قالَ : فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أي فما شأنكم الخطير ، وفيم جئتم ، وما قصتكم المثيرة ، وما سبب إرسالكم من جهة اللّه ؟ فأجابوه : قالُوا : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ أي قالت الملائكة رسل العذاب ورسل البشرى : إنا بعثنا إلى قوم لوط الذين أجرموا بالكفر وارتكاب الفواحش ، لنرجمهم بحجارة من طين متحجر ، مطبوخ بالنار ، كالآجرّ ، معلمة بعلامات تعرف بها ، مخصصة عند اللّه لهلاك المتمادين في الضلالة ، المجاوزين الحد في الفجور . ثم أخبر اللّه تعالى عن أن هذا العذاب ليس عشوائيا يصيب الصالح والطالح ، وإنما فيه تمييز المؤمنين عن المجرمين ، فقال : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي لما أردنا إهلاك قوم لوط ، أخرجنا من كان في تلك القرى من قومه المؤمنين به ، تنجية لهم من العذاب ، فلم نجد غير أهل بيت واحد أسلم وجهه للّه ، وانقاد لأوامره ، واجتنب نواهيه ، وهو بيت لوط بن هاران - أخي إبراهيم - بن تارح ، أي كان لوط ابن أخ إبراهيم الخليل عليهما السلام ، آمن

--> ( 1 ) المرجع والمكان السابق .