وهبة الزحيلي

219

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر 15 / 92 ] ، وقال سبحانه : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [ الصافات 37 / 24 ] . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بأي نعم اللّه تكذبان ؟ مما أنعم اللّه على عباده المؤمنين في هذا اليوم ، ومن هذا التخويف والإنذار المسبق ، ليرتدع الناس عن الذنوب ، ويثوبوا إلى رشدهم . ثم أبان اللّه تعالى سبب عدم السؤال ، فقال : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ أي يعرف الكفار والفجار يوم خروجهم من القبور بعلاماتهم ، وهي كونهم سود الوجوه ، زرق العيون ، يعلوهم الحزن والكآبة ، فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم مجموعا بينهما ، فتجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي ، وتلقيهم الملائكة في النار . والناصية : مقدّم شعر الرأس . وإفراد فَيُؤْخَذُ مع أن المجرمين جمع ، وهم المأخوذون ، لأن فَيُؤْخَذُ متعلق بقوله تعالى : بِالنَّواصِي كما يقال : ذهب بزيد . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بأي النعم تتجرأان على تكذيبها ، فقد أنذرتم وحذرتم مسبقا ، وعرفتم المصير المنتظر في عالم الآخرة ؟ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ها هنا إضمار ، أي يقال لهم عند ذلك توبيخا وتأنيبا : هذه نار جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها التي كنتم تكذبون بوجودها ، وتنكرون حدوثها ، ها هي حاضرة أمامكم ترونها عيانا . وهم تارة يعذبون في الجحيم للاحتراق ، وتارة يسقون من الحميم : وهو الشراب أو الماء المغلي الشديد الحرارة ، الذي هو كالنحاس المذاب ، يقطع الأمعاء والأحشاء ، كقوله تعالى : إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ . فِي