وهبة الزحيلي

218

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فَلا تَنْتَصِرانِ أي في وقت إرسال الشواظ عليكما ، والمعنى : فإذا انشقت السماء وذابت ، وصارت الأرض والجو والسماء كلها نارا ، فكيف تنتصران ؟ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ ، فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ أي فإذا جاء يوم القيامة ، انصدعت السماء ، وتبددت وصارت كوردة حمراء ، وذابت مثل الدهن ، أو تلونت كالجلد الأحمر ، والمراد أنها تذوب كما يذوب الزيت ، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها ، فتارة حمراء ، أو صفراء ، أو زرقاء ، أو خضراء ، وذلك من شدة الأمر ، وهول يوم القيامة . ونظائر الآية كثير ، مثل : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق 84 / 1 ] ، إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [ الانفطار 82 / 1 ] ، وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ [ الحاقة 69 / 16 ] ، يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [ الفرقان 25 / 25 ] . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي فبأي نعم اللّه تكذبان أيها الإنس والجن ؟ فإن الخبر بذلك فيه رهبة ورعب يزجر السامع عن الشرّ ، وبأي نعم اللّه تكذبان مما يكون بعد ذلك ؟ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ أي يوم تنشق السماء ، لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجنّ عن ذنبه ، لأنهم يعرفون بسيماهم عند خروجهم من قبورهم ، ولأن اللّه سبحانه قد أحصى الأعمال ، وحفظها على العباد . وقال مجاهد في هذه الآية : لا تسأل الملائكة عن المجرمين ، بل يعرفون بسيماهم . وهذا كقوله تعالى : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات 77 / 35 - 36 ] ، ثم يسألون بعدئذ في حال أخرى يوم يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم في موقف الحساب ، كما قال تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا