وهبة الزحيلي
210
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الكريمة بأنه ذو الجلال والإكرام ، أي هو أهل أن يجلّ فلا يعصى ، وأن يطاع فلا يخالف ، كقوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الكهف 18 / 28 ] وكقوله إخبارا عن المتصدقين : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [ الدهر 76 / 9 ] . وقال ابن عباس : ذو الجلال والإكرام : ذو العظمة والكبرياء « 1 » . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي فبأي نعم اللّه هذه تكذبان أيها الإنس والجن ، فالناس والمخلوقات جميعا يتساوون كلهم في الوفاة ، ثم يصيرون إلى الدار الآخرة ، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل ، والفناء طريق للبقاء ، والحياة الأبدية ، فكان في الفناء نعمة التساوي في الموت ، ونعمة تعاقب الأجيال ، ونعمة العدل المطلق ، ونعمة الانتقال من الدار الفانية إلى الدار الخالدة الباقية دار الجزاء والثواب ، ذات النعيم المادي والروحي الشامل ، فكيف يكون منكم التكذيب بهذه النعم العظيمة ؟ ! يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي يطلب منه جميع أهل السماء والأرض كل ما يحتاجون إليه ، فيسأله أهل السماوات المغفرة ، ولا يسألونه الرزق ، وأهل الأرض يسألونه الأمرين جميعا ( المغفرة والرزق ) وتسأل لهم الملائكة أيضا الرزق والمغفرة ، فلا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض ، والمادة تحتاج إلى ما يناسبها ، والنبات يحتاج إلى ما يبقيه ، والإنسان بحاجة إلى مقومات الحياة المادية والمعنوية ، والحيوان مفتقر إلى عناصر البقاء . وهذا إخبار عن غناه تعالى عما سواه ، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات ، وأنهم يسألونه بلسان الحال والمقال ، وأنه سبحانه كل يوم ووقت في شأن ، ومن شأنه أنه يحيي ويميت ، ويرزق ، ويغني ويفقر ، ويعزّ ويذلّ ، ويمرض
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 4 / 273