وهبة الزحيلي
198
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
قال تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ الأنعام 6 / 96 ] . ثم أورد اللّه تعالى بعض عوالم الأرض السفلى ، فقال : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ أي أن النبات الذي لا ساق له ، والشّجر الذي له ساق ينقادان طبعا للّه تعالى فيما أراد ، كما ينقاد الساجدون من المكلفين اختيارا ، فإن ظهورهما من الأرض في وقت معين ولأجل محدد ، وجعلهما غذاء للإنسان ، ومتعة له شكلا ولونا ومقدارا وطعما ورائحة ، انقياد لقدرة اللّه تعالى . ثم نبّه اللّه تعالى إلى ظاهرة التوازن بين الأشياء ، وضرورة التعادل في المبادلات ، فقال : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ أي جعل السماء مرفوعة المحل والرتبة فوق الأرض ، وأقام التوازن في العالمين العلوي والسفلي الأرضي ، وأثبت في الأرض العدل الذي أمر به ، لئلا تتجاوزوا العدل والإنصاف في آلة الوزن أثناء مبادلة الأشياء ، كما قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ ، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ الحديد 57 / 25 ] فهذا نهي عن الطغيان في الوزن . وأكّد على التزام العدل أو التعادل ، فقال : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ أي قوّموا وزنكم بالعدل ، ولا تنقصوه ولا تبخسوه شيئا ، بل زنوا بالحق والقسط ، كما قال تعالى : وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ [ الشعراء 26 / 182 ] . وهذا التكرير لتأكيد الأمر بالعدل ، ويلاحظ أنه سبحانه أمر أولا