وهبة الزحيلي

199

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

بالتسوية ، ثم نهى عن الطغيان الذي هو مجاوزة الحدّ بالزيادة ، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس . ثم ذكر نعمته في الأرض مقابل السماء ، فقال : وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ أي إنه تعالى كما رفع السماء ، وضع الأرض ومهدها وبسطها لينتفع بها ، وأرساها بالجبال الراسخات الراسيات ليستقر الأنام على وجهها ، وهم الخلائق المختلفة الأنواع والألوان والأجناس والألسنة في سائر الأقطار ، ثم أبان تعالى طرق معايش الناس فيها ، فقال : فِيها فاكِهَةٌ ، وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ أي إن في الأرض كل ما يتفكه به من أنواع الثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح ، وأشجار النخيل ذات أوعية الطلع الذي يتحول بعدئذ إلى تمر ، وجميع ما يقتات من الحبوب كالحنطة والشعير والذرة ونحوها ، ذات العصف وهو بقل الزرع : وهو أول ما ينبت منه ، أو هو التبن ، وكل مشموم من النبات ذي الورق الذي تطيب رائحته . وتنكير كلمة الفاكهة وتعريف النخل ، لأن الفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص ، أما ثمر النخيل فهو قوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان وعند جميع الأشخاص . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ أي فبأي النعم المتقدمة تكذبان يا معشر الجن والإنس . فالخطاب مع الثقلين : الإنس والجن . وقد عرفنا أن هذه الآية كررت في السورة إحدى وثلاثين مرة بعد كل خصلة من النعم ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ، لتأكيد التذكير بالنعم ، ولتقريرهم بها ، وللتنبيه على أهميتها ، والنعم محصورة في دفع المكروه وتحصيل المقصود . وقوله : رَبِّكُما لبيان أن مصدر هذه النعم من اللّه المربي الذي يتعهد عباده بالتربية والتنمية ، فيكون هو الجدير بالحمد والشكر على ما أنعم .