وهبة الزحيلي

197

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

على أن ليس عدلا من كليب * إذا ما خار جاش « 1 » المستجير وأنشد قصائد أخرى على هذا النمط . التفسير والبيان : الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ أي إن اللّه الواسع الرحمة لخلقه في الدنيا والآخرة أنزل على عبده محمد صلى اللّه عليه وسلم القرآن لتعليم أمته وجعله حجة على الناس قاطبة ، ويسّر حفظه وفهمه على من رحمه . وهذا جواب لأهل مكة القائلين : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل 16 / 103 ] ولما كانت هذه السورة لتعداد نعم اللّه التي أنعم بها على عباده ، قدّم بيان أجل النعم قدرا ، وأكثرها نفعا وهي نعمة تعليم القرآن عباده ، فإنها مدار سعادة الدارين . ثم امتن بنعمة خلق الإنسان أداة إعمار الكون ، فقال : خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ أي أوجد جنس الإنسان ، وعلّمه النطق والتعبير عما في نفسه ، ليتخاطب مع غيره ، ويتفاهم مع أبناء مجتمعة ، فيتحقق التعاون والتآلف والأنس ، وبذلك اكتملت عناصر التعليم : الكتاب والمعلم وهما القرآن والنّبي ، والمتعلم وهو الإنسان ، وطريق التعلم وكيفيته وهو البيان . ثم ذكر اللّه تعالى أمورا علوية هي مجال التعلم ، فقال : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي إن الشمس المشرقة المضيئة للنهار ، والقمر نور الليل يجريان بحساب دقيق منظم مقدر معلوم في بروج ومنازل معلومة ، لا يعدوانها ، ويدلان بذلك على اختلاف الفصول وعدد الشهور والسنين ، ومواسم الزراعة ، وآجال المعاملات وأعمار الناس ، ويحققان الفوائد الكثيرة للإنسان والنبات والحيوان ، ويتعاقبان بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب ، كما

--> ( 1 ) مخفف جأش وهو العزيمة ، وقد تطلق على النفس مجازا .