وهبة الزحيلي

196

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لها . خَلَقَ الْإِنْسانَ الجنس الإنساني . الْبَيانَ التعبير عما في النفس ، وإفهام الغير لما يدركه من تلقي الوحي ، وتعرف الحق ، وتعلم الشرع . بِحُسْبانٍ يجريان بحساب دقيق منظم ، مقدر في بروجهما ومنازلهما . وَالنَّجْمُ النبات الذي ينجم أي يظهر من الأرض ، ولا ساق له كالحنطة والمقاثي . وَالشَّجَرُ الذي له ساق كالنخل وأشجار الفاكهة . يَسْجُدانِ ينقادان أو يخضعان للّه فيما يريد بهما طبعا ، كما ينقاد الساجد من المكلفين اختيارا أو طوعا . رَفَعَها خلقها مرفوعة المحل والرتبة . وَوَضَعَ الْمِيزانَ أثبت العدل والنظام والتوازن في الأشياء الكونية كلها ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « بالعدل قامت السماوات والأرض » . أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ أي لئلا تجوروا فيما يوزن به ، ولا تعتدوا ولا تجاوزوا الإنصاف . وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ أي قوّموا الوزن بالعدل . وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ تنقصوا الموزون ، والتكرار مبالغة في التوصية به ، وزيادة الحث على استعماله ، وقرئ : « ولا تخسروا » بفتح التاء ، وضم السين وكسرها وفتحها . وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ أي أثبتها وبسطها للخلق من الإنس والجن وغيرهم . فِيها فاكِهَةٌ أنواع ما يتفكه به . الْأَكْمامِ أوعية الطلع والثمر ، جمع كم : بالكسر . وَالْحَبُّ كالحنطة والشعير والذرة وسائر ما يتغذى به . ذُو الْعَصْفِ ورق الزرع الجاف ، وهو التبن . وَالرَّيْحانُ الورق المشموم الطيب الرائحة من النبات . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي فبأي نعم ربّكما أيها الإنس والجن تكذبان ؟ والاستفهام للتقرير ، ذكرت في السورة إحدى وثلاثين مرة ، فكلما ذكر تعالى نعمة وبخ على التكذيب بها ، كما يقول الرجل لغيره معاتبا ومذكرا ومؤنبا : ألم أحسن إليك بكذا بالمال ، ألم أحسن إليك بأن أنقذتك من كذا وكذا ؟ ويكون التكرار لاختلاف ما يقرر به ، وهذا شيء كثير مألوف في كلام العرب ، كقول مهلهل يرثي كليبا : على أنّ ليس عدلا « 1 » من كليب * إذا ما ضيم جيران المجير على أن ليس عدلا من كليب * إذا رجف العضاة من الدّبور « 2 » على أن ليس عدلا من كليب * إذا خرجت مخبأة الخدور على أن ليس عدلا من كليب * إذا ما أعلنت نجوى الأمور على أن ليس عدلا من كليب * إذا خيف المخوف من الثغور على أن ليس عدلا من كليب * غداة تأثل الأمر الكبير

--> ( 1 ) عدلا : أي مثلا ونظيرا . ( 2 ) العضاة : كل شجر يعظم وله شوك ، والدّبور : الريح التي تقابل الصّبا .