وهبة الزحيلي
187
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
من متعظ بما أخزى اللّه أولئك ، وقدر لهم من العذاب ، وهل من يتذكر ويتعظ بالمواعظ ، ويعلم أن ذلك حق ، فيخاف العقوبة التي حلت بالأمم السابقة ؟ وهذا كما قال تعالى : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [ سبأ 34 / 54 ] . وأتبع ذلك الإخبار عن إحصاء جميع أعمالهم ورقابة اللّه عليهم ، فقال : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ أي إن جميع ما فعلته وتفعله الأمم والشعوب والأفراد من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ ، وفي كتب ( أو سجلات ) الملائكة الحفظة ، وما من شيء من أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم إلا وهو مسطور في اللوح المحفوظ ، وفي دواوين الملائكة وصحائفهم ، صغيرة وكبيرة ، وجليلة وحقيرة ، كما قال تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق 50 / 18 ] . أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « يا عائشة ، إياك ومحقّرات الذنوب ، فإن لها من اللّه طالبا » . ثم ذكر اللّه تعالى نوع جزاء المؤمنين المتقين لمقارنته بجزاء الكافرين ، ومقابلة الثواب بالعقاب وبالعكس ، فقال : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي إن المتقين ، بعكس ما يكون الأشقياء فيه من النار والسحب على الوجوه فيها ، مع التوبيخ والتقريع والتهديد ، هم في بساتين غنّاء مختلفة ، وجنان متنوعة ، وأنهار متدفقة بمختلف أنواع الأشربة من ماء وعسل ولبن وخمر غير مسكرة ، وفي الجنة دار كرامة اللّه ورضوانه وفضله وامتنانه ، وفي مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم ، وفي منزلة وكرامة عند ربهم القادر على ما يشاء ، والذي لا يعجزه شيء ، فهو