وهبة الزحيلي
162
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ أي إنا سلّطنا عليهم « 1 » ريحا شديدة البرد والصوت في يوم شؤم عليهم ، دائم الشؤم حتى أهلكهم ودمرهم ، لأنه اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي ، أما ذات اليوم بمجرده فلا يصح وصفه بالنحس أو الشؤم ، وإنما الأيام والليالي كلها سواء ، لذا كان التشاؤم بالعدد ( 13 ) غير صحيح شرعا ودينا . ونظير الآية : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ [ فصلت 41 / 16 ] وقوله تعالى : سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [ الحاقة 69 / 7 ] أي متتابعة . تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أي إن تلك الريح الصرصر كانت تقتلعهم من الأرض اقتلاع النخلة من أصلها ، قال مجاهد : كانت تقلعهم من الأرض ، فترمي بهم على رؤوسهم ، فتدقّ أعناقهم ، وتبين رؤوسهم من أجسادهم . والمعنى أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا ، وهم جثث طوال عظام ، كأنهم أعجاز نخل وهي أصولها فلا فروع ، مُنْقَعِرٍ : منقلع عن مغارسه . وقد شبهوا في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح . وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس . والآية تومئ إلى أن الريح كانت تقتلع رؤوسهم ، فتصبح الأجسام من غير رؤوس ولا هامات ، وتشير أيضا إلى عظمة أجسادهم وطول قاماتهم ، وإلى محاولتهم الثبات في الأرض والتشبث بها لمقاومة الريح ، كما تشير أيضا إلى يبسهم وجفافهم بالريح التي كانت تقتلهم ببردها المفرط ، فتجعلهم كأنهم أخشاب يابسة .
--> ( 1 ) هذه الجملة استئنافية ، لبيان ما أجمل أولا في قوله : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ .