وهبة الزحيلي
16
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثم أبان اللّه تعالى وجوه إحسانهم في العمل ، فقال : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ أي كانوا ينامون زمنا قليلا من الليل ، ويصلون أكثره ، فتكون ما زائدة وهو القول المشهور ، و قَلِيلًا ظرف ، ويجوز أن تجعل ما صفة للمصدر ، أي كانوا يهجعون هجوعا قليلا . وأنكر الزمخشري كون ما نافية ، تقديره : كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه ، وقال : لا يجوز أن تكون نافية ، لأن ما بعد ما لا يعمل فيما قبلها ، تقول : زيدا لم أضرب « 1 » . وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي يقولون في الجزء الأخير من الليل : اللهم اغفر لنا وارحمنا . وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين ، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار ، وكأنهم باتوا في معصية ، وهذا سيرة الكريم ، يأتي بأبلغ وجوه الكرم ، ثم يستقله ويعتذر ، واللئيم بالعكس ، يأتي بأقل شيء ، ثم يمنّ به ، ويستكثر . قال الحسن : مدّوا الصلاة إلى الأسحار ، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار . ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ، حتى يبقى ثلث الليل الأخير ، فيقول : هل من تائب ، فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر ، فأغفر له ؟ هل من سائل ، فيعطى سؤله ؟ حتى يطلع الفجر » . وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب أنه قال لبنيه : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [ يوسف 12 / 98 ] : أخرهم إلى وقت السحر . وبعد أن وصفهم تعالى بكثرة الصلاة التي هي عبادة بدنية ، وصفهم بأداء العبادة المالية ، فقال :
--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 168