وهبة الزحيلي
17
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ أي وجعلوا في أموالهم جزءا مقسوما معينا للفقراء والمحتاجين على سبيل البرّ والصلة ، والسائل : هو الفقير الذي يبتدئ بالسؤال ، والمحروم : هو الذي يتعفف عن السؤال ، فيحسبه الناس غنيا ، فلا يتصدّقون عليه . أخرج الشيخان ( البخاري ومسلم ) في صحيحيهما عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليس المسكين بالطواف الذي تردّه اللّقمة واللقمتان ، والتّمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له ، فيتصدق عليه » و في لفظ آخر أخرجه ابن جرير وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان ، والأكلة والأكلتان ، قيل : فمن المسكين ؟ قال : الذي ليس له ما يغنيه ، ولا يعلم مكانه ، فيتصدق عليه ، فذلك المحروم » . وللسائل حق ، أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن الحسين بن علي رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « للسائل حق ، وإن جاء على فرس » . والمشهور في الحق : أنه هو القدر الذي علم شرعا ، وهو الزكاة ، وهذا ما رجحه ابن العربي والجصاص الرازي وغيرهما أخذا بقول ابن عباس : نسخت الزكاة كل صدقة . وقال محمد بن سيرين وقتادة : الحق هنا : الزكاة المفروضة . قال القرطبي : والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة ، لقوله تعالى في سورة المعارج : وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ 24 - 25 ] والحق المعلوم : هو الزكاة التي بيّن الشرع قدرها وجنسها ووقتها ، فأما غيرها لمن يقول به ، فليس بمعلوم ، لأنه غير مقدّر ولا مجنّس ولا موقّت « 1 » .
--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص : 3 / 412 ، أحكام القرآن لابن العربي : 4 / 1718 ، تفسير الرازي : 28 / 205 ، تفسير القرطبي : 17 / 38